الشيخ محمد رشيد رضا

206

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن في الصلاة وفي غير الصلاة وتدبره ، وربما كان أحدهم يقوم الليلة بآية واحدة يكررها متدبرا لها ، وكانوا يقرؤنه مستلقين ومضطجعين كما وصفهم اللّه بقوله ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ) وأعظم ذكر اللّه تلاوة كتابه المشتمل على ذكر أسمائه الحسنى وصفاته المقدسة وأحكامه وحكمه ، وسننه في خلقه وأفعاله في تدبير ملكه ، ولو كان القرآن ككتب القوانين والفنون لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير في قلب الطباع ، وتغيير الأوضاع ، بل لكانت تلاوته تمل فتترك ، فأسلوب القرآن الذي وصفناه آنفا من أعظم أنواع اعجازه اللغوي ، وتأثيره الروحي ، ومن ارتاب في هذا فلينظر في المسائل التي تشتمل عليها السورة منه وليحاول كتابتها نفسها أو مثلها بأسلوب تلك السورة ونظمها أو أسلوب سورة أخرى ، كالسور التي يتكرر فيها الموضوع الواحد بالاجمال الموجز تارة وببعض التفصيل تارة وبالاطناب فيه أخرى ، - كالاعتبار بقصص الرسل مع أقوامهم في سور المفصل ( كالذاريات والقمر والحاقة ) وفيما فوقها ( كالمؤمنون والشعراء والنمل ) وفيما هو أطول منها ( كالاعراف وهود ) - ثم لينظر ما يفضي اليه عجزه من السخرية وقد بين بعض علماء الاجتماع في هذا العصر ان تكرار الدعوات الدينية والسياسية والاجتماعية هي التي تثير الجماعات وتدعهم إلى الانهماك والتفاني فيها دءّا ، وما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا ، ولكن اللّه يعلم من طباع الجماعات والأقوام فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار ، وانما القرآن كلامه ، وليس فيه من التكرار ، الا ماله أكبر الشأن في انقلاب الافكار ، وتحويل ما في الأنفس من العقائد والاخلاق إلى خير منها ، وهو ما لا يمكن احداث الانقلاب الاصلاحي بدونه كما تعلم من التفصيل الآتي ( مقاصد القرآن ، في ترقية نوع الانسان ، وما فيه من التكرار ) ان مقاصد القرآن من اصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم وادخالهم في طور الرشد وتحقيق اخوتهم الانسانية ووحدتهم وترقية عقولهم وتزكية أنفسهم منها ما يكفي بيانه لهم في الكتاب مرة أو مرتين أو مرارا قليلة ، ومنها مالا تحصل